
عقدت مجموعة بريكس، التي تضم عشرة اقتصادات ناشئة تمثل ما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ونصف سكان العالم، قمة افتراضية طارئة لمناقشة التداعيات الاقتصادية لسياسات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وجاءت القمة في ظل تصعيد غير مسبوق للتوترات التجارية، حيث فرضت واشنطن رسوماً جمركية تصل إلى 50% على سلع من البرازيل والهند، ما أثار مخاوف من حرب تجارية شاملة، ورغم أن الهدف المعلن كان توحيد الصفوف لمواجهة هذه التحديات، لكن كشفت القمة عن تباينات عميقة بين الأعضاء، ما أثار تساؤلات حول قدرة بريكس على فرض نفوذها كقوة عالمية موازنة.
فلم تكن القمة مجرد اجتماع روتيني، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لوحدة المجموعة، حيث أظهرت مواقف الأعضاء الرئيسيين، خاصة البرازيل والهند، تحفظًا كبيرًا، فغياب رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” عن الاجتماع، وإيفاده لوزير خارجيته، كان إشارة واضحة إلى سعي الهند للحفاظ على توازن دقيق في علاقتها مع الولايات المتحدة، أكبر شريك تجاري لها، كما أن تصريحات وزير خارجية الهند “جايشانكار” كانت دبلوماسية وانتقدت “زيادة الحواجز” دون ذكر واشنطن بالاسم، بل استغل القمة لتسليط الضوء على الخلل التجاري داخل بريكس نفسها، مشيرًا إلى العجز التجاري الكبير للهند مع الصين، وكشف أن أولويات نيودلهي لا تقتصر على مواجهة الغرب وأمريكا فقط.
وفضل الرئيس البرازيلي “لولا دا سيلفا” نهجًا حذرًا، فانتقد السياسات الأمريكية بشكل غير مباشر دون تسمية “ترامب”، لتجنب الصدام لمحاولة حماية الاقتصاد البرازيلي، وفي المقابل، كانت مواقف بقية الأعضاء أكثر وضوحًا، حيث دعا الرئيس الصيني “شي جين بينج” إلى اقتصاد عالمي مفتوح، وأكد الرئيس الجنوب أفريقي “سيريل رامافوزا” أن الرسوم الجمركية الأحادية تسبب صعوبات كبيرة لاقتصادات الدول الصاعدة.
وفي هذا السياق، كان خطاب الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” في القمة غاية في الأهمية، حيث قدم تحليلاً معمقاً للأزمة العالمية الراهنة، ولم يكتفِ “السيسي” بانتقاد السياسات المقيدة لحركة التجارة، بل تحدث عن مشهد دولي “غارق في ازدواجية فاضحة في المعايير، وانتهاك سافر لأحكام القانون الدولي”، وندد بشكل مباشر بتصاعد النزعات الأحادية والإجراءات المقيدة، معتبراً أنها تقوض أسس السلم والأمن الدوليين، كما سلط الضوء على ضعف و”تآكل مصداقية” المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن، داعياً إلى إصلاح شامل لآلياته، بما في ذلك إلغاء حق النقض “الفيتو” الذي “تحول إلى أداة لعزل المجلس عن الواقع”.
كذلك أكدت مشاركة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في القمة على اهتمام بلاده بتعزيز التعاون داخل المجموعة، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
فمن وجهة الخبراء والمحللين، يثير هذا التباين في المواقف تساؤلاً جوهرياً: هل تستطيع مجموعة بريكس بالفعل أن تفرض نفسها عالمياً وتكون لها كلمة عليا في مواجهة السياسات الأحادية للولايات المتحدة والدول الغربية؟
فالإجابة على هذا السؤال معقدة وتتطلب نظرة واقعية، فمن الواضح أن المجموعة تواجه تحديات كبيرة تمنعها من أن تكون “نداً” للغرب، وأمريكا، في الوقت الراهن…
أولاً، إن “بنية الاعتماد التجاري والمالي والتكنولوجي على الولايات المتحدة” تفرض قيوداً واضحة على أعضاء بريكس، فالعديد من اقتصادات المجموعة، خاصة الهند والبرازيل، مرتبطة بشكل وثيق بالأسواق والتمويل الغربي، وأي مواجهة مباشرة مع واشنطن قد تؤدي إلى عقوبات اقتصادية شديدة تضر باقتصاداتها المحلية، وتؤثر على الاستقرار والتوظيف، وهو ما لا ترغب فيه أي حكومة.
ثانياً، هناك انقسامات وتناقضات داخلية بين أعضاء بريكس أنفسهم، فمشكلة العجز التجاري التي أشار إليها وزير الخارجية الهندي مع الصين هي مثال واضح على ذلك، فالمجموعة ليست جبهة موحدة، بل هي تكتل من الدول ذات المصالح المتباينة والمتضاربة أحياناً، فلكل دولة أجندتها الخاصة، التي قد تتعارض مع أجندات الدول الأخرى.
ثالثاً، إن قدرة بريكس على فرض نفسها تعتمد بشكل كبير على نجاحها في بناء بدائل حقيقية للنظام الغربي، ورغم أن المجموعة لديها أدوات مثل “بنك التنمية الجديد” الذي يمكنه أن يكون بديلاً للمؤسسات المالية الغربية، إلا أن هذه الأدوات لا تزال في مراحلها الأولى، ولا يمكنها أن تحل محل النظام المالي العالمي الحالي بين عشية وضحاها.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية بريكس، فرغم أنها قد لا تكون قادرة على مواجهة الغرب بشكل مباشر وصدامي، إلا أنها تشكل قوة ضغط متنامية، فخطاب الرئيس المصري ” عبد الفتاح السيسي”، الذي ركز على مبادئ العدالة والتعددية ورفض الازدواجية، هو نموذج لهذا النوع من النفوذ، فالمجموعة يمكنها أن تكون صوتاً قوياً للدول الصاعدة، وتطالب بإصلاح النظام العالمي، وتعبئ الموارد المالية لخدمة مصالحها التنموية.
وفي الختام، لا يبدو أن بريكس تستطيع أن تفرض نفسها كقوة عليا في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية في المستقبل القريب، ولكنها تكتل قادر على التأثير، وممارسة الضغط، والمطالبة بإصلاحات في النظام العالمي، وإنها قوة موازنة وليست قوة صدامية، وهذا النهج الحذر والعملي، الذي يعكسه خطاب قادتها، قد يكون الأكثر فعالية في عالم متغير تسوده التوترات.







