اقتصادالعالم

منظمة دولية: النمو العالمي يتماسك في 2025.. لكنه يتباطأ بشدة العام المقبل

في وقت يترقب فيه العالم مآلات الاقتصاد وسط الاضطرابات السياسية والتجارية المتصاعدة، كشفت “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، ومقرها باريس، عن تقريرها الأحدث الصادر في  23 سبتمبر 2025، الذي حمل رسائل مزدوجة،  تفاؤل حذر بشأن مرونة النمو في النصف الأول من 2025، مقابل تحذيرات جدية من تحديات ضاغطة قد تكبح زخم التعافي العالمي، وفي مقدمتها الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة، والضغوط التضخمية، والتقلبات السياسية والمالية.

توقعات نمو أعلى من المتوقع:

رفعت المنظمة توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي في 2025 إلى 3.2%  مقارنة بتقديراتها السابقة البالغة 2.9% في يونيو، لكنها أبقت على توقعاتها لعام 2026 عند2.9%  ويعكس ذلك تباطؤاً عن مستوى 2024 الذي سجل نمواً قدره 3.3%.

وأوضحت المنظمة أن النشاط الاقتصادي في النصف الأول من العام استفاد من ما وصفته بـ”التحميل المسبق” للأنشطة التجارية والصناعية قبل دخول الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة حيّز التنفيذ، كما لعبت الاستثمارات القوية في الذكاء الاصطناعي دوراً داعماً للنمو في الولايات المتحدة، بينما ساعد الدعم المالي الحكومي في الصين على تعويض ضعف سوق العقارات والتوترات التجارية.

رسوم أمريكية قياسية منذ عقود:

منذ مايو الماضي، رفعت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الرسوم الجمركية على واردات جميع الدول تقريباً، وبلغ المعدل الفعّال لهذه الرسوم 19.5%  بنهاية أغسطس، وهو الأعلى منذ عام 1933، وبناًء عليها حذرت المنظمة من أن التأثير الكامل لهذه الرسوم لم يظهر بعد، إذ يجري تطبيقها تدريجياً، ففي البداية، تحملت الشركات جزءاً من الأعباء عبر تقليص هوامش أرباحها، لكن الأثر بات يتضح بشكل متزايد في أسعار المستهلك، وأنماط الإنفاق، وأسواق العمل.

وخلال مؤتمر صحفي عقد بعد صدور التقرير أوضح كبير الاقتصاديين في المنظمة، “ألفارو بيريرا”، أن الأثر الكامل للرسوم لم يُدمج بعد في الاقتصاد الأمريكي، ما يعني أننا سنرى تأثيرات إضافية على النمو والتضخم في الأشهر المقبلة”.

تباطؤ في الاقتصادات الكبرى:

توقعت المنظمة أن يشهد الاقتصاد الأمريكي تباطؤاً حاداً من 2.8%  في 2024 إلى 1.8%  في 2025، قبل أن ينخفض إلى 1.5%  في 2026، نتيجة ارتفاع الرسوم الجمركية وتراجع صافي الهجرة وتقليص الوظائف الحكومية.

أما الصين، فستتراجع من نمو قدره 4.9%  في 2025 إلى 4.4%  في 2026 مع انتهاء أثر الحوافز المالية وبدء تطبيق الرسوم المرتفعة.

وفي منطقة اليورو، سيتباطأ النمو من 1.2%  في 2025 إلى 1.0%  في 2026 تحت ضغط التوترات التجارية والتغيرات المفاجئة وغير المتوقعة في العلاقات الدولية، رغم بعض الدعم من الاستثمار العام وتيسير شروط الائتمان.

وتعد الهند الاستثناء الأبرز، مع توقعات بنمو 6.7%  في 2025 يتراجع قليلاً إلى 6.2%  في 2026، ما يعكس قدرتها على الصمود في مواجهة التقلبات العالمية.

وفي أوروبا، ستشهد ألمانيا أضعف أداء بين الاقتصادات الكبرى مع نمو لا يتجاوز 0.3%  في 2025، فيما سينمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.6%، بينما يتوقع للمملكة المتحدة تسجيل نمو 1.4%.

أسواق العمل تحت الضغط:

قال التقرير إن أسواق العمل أظهرت علامات ضعف، مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الوظائف الشاغرة، بعد أن كانت مرتفعة بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة، وأوضح “بيريرا” أن “النقص الحاد في العمالة الذي كان مصدر قلق كبير في 2023 و2024، تراجع بشكل ملحوظ في معظم الاقتصادات”.

التضخم يتراجع ببطء:

على صعيد الأسعار، تتوقع المنظمة أن ينخفض التضخم في اقتصادات مجموعة العشرين من 3.4%  في 2025 إلى 2.9% في 2026، مع استقرار التضخم الأساسي عند نحو2.5%  لكن المنظمة حذرت من احتمال عودة الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار السلع واستمرار تضخم الخدمات.

مخاطر مالية وتقلبات العملات المشفرة:

تطرق التقرير إلى المخاطر المتزايدة في الأسواق المالية، مشيراً إلى أن إعادة تسعير الأصول، بما في ذلك العملات المشفرة المتقلبة، قد يفاقم القلق بشأن الاستقرار المالي العالمي. وقال “بيريرا” إن التقييمات الحالية مرتفعة مقارنة بالقيم السابقة، ما يزيد احتمالات حدوث تصحيح في الأسواق، لكن في الوقت نفسه، يمثل انتشار الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية لتعزيز الإنتاجية على المدى الطويل.

دعوة لإصلاحات وتعاون دولي:

شدد الأمين العام للمنظمة، “ماتياس كورمان”، على ضرورة التحرك بشكل منسق، فرغم مرونة الاقتصاد العالمي حتى الآن، فإن علامات ضعف النشاط تسلط الضوء على أهمية التعاون متعدد الأطراف بشأن التجارة، والسياسة النقدية اليقظة، والانضباط المالي، والإصلاحات الهيكلية الطموحة، فمن خلال العمل بحسم، يمكن للحكومات أن تقلل المخاطر وتعزز المرونة وتحقق زيادات مستدامة في مستويات المعيشة.

وأكدت المنظمة أن استقلالية البنوك المركزية، واتباع سياسات مالية منضبطة، وإصلاحات تعزز المنافسة والمهارات، تشكل ركائز أساسية لضمان استقرار الدين العام وتحقيق مكاسب دائمة من الثورة التكنولوجية.

اقرأ أيضا: مدفيديف يتهم أوكرانيا بالوقوف وراء موجة المسيّرات في أوروبا

 

زر الذهاب إلى الأعلى