
في وقتٍ تكافح فيه ليبيا للخروج من عقدٍ من الفوضى والعنف، حذّرت البعثة المستقلة لتقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من أنّ الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في البلاد تُقوّض فرص السلام والديمقراطية وتكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.
وجاء التحذير ضمن التقرير الثاني للبعثة، الذي صدر في 28 مارس 2022، مؤكّدًا أن الممارسات المنتشرة في مراكز الاحتجاز، واستهداف الناشطين والنساء والمهاجرين، تضع مستقبل العدالة وسيادة القانون في ليبيا على المحك.
ويضم فريق التحقيق الدولي كلاً من محمد أوجار رئيس البعثة، وتريسي روبنسون، وتشالوكا بياني.
الاحتجاز القسري والتعذيب.. أدلة على جرائم ضد الإنسانية
خلص التقرير إلى وجود “أسباب معقولة” للاعتقاد بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في عدة مراكز احتجاز سرية، بعضها يدار من قبل جماعات مسلحة.
وأكدت البعثة أن بعض السجون التي أُعلن عن إغلاقها ما زالت تعمل فعليًا، حيث يتعرّض المحتجزون لأعمال قتل وتعذيب واغتصاب قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
وقال رئيس البعثة محمد أوجار إن الأدلة الجديدة “تكشف عن نمط ممنهج من الانتهاكات في السجون الليبية، يُمارس على نطاق واسع ضد المحتجزين”.
استهداف النساء والناشطين وتقييد الحريات
أشار التقرير إلى تزايد الهجمات على النساء الناشطات في السياسة والمجتمع المدني، محذّرًا من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضدهنّ، لا سيما بعد محاولات مسلحين تعطيل عمل محكمة استئناف سبها خلال النظر في أهلية المرشحين للانتخابات الرئاسية عام 2021.
كما وثّقت البعثة اعتقالات ومضايقات ضد مواطنين في سرت ومدن أخرى بسبب آرائهم حول الانتخابات، ما يثير تساؤلات حول ضمان حرية التعبير والتجمع في البلاد.
المهاجرون.. ضحايا الاتجار والعنف
تحدّث التقرير عن انتهاكات متكررة ضد المهاجرين وطالبي اللجوء، بعضها تم خلال مداهمات لمنطقة قرقارش في طرابلس، حيث استخدمت القوات “قوة مفرطة” واحتُجز المئات في ظروف قاسية.
كما وثّقت البعثة شهادات صادمة حول التعذيب والاختطاف والاسترقاق على أيدي شبكات الاتجار بالبشر، من بينها شهادة عامل صيانة قوارب قال إنه “تعرض للحرق والاعتداء الجسدي وصُوّر تحت التعذيب”.
تضييق على المجتمع المدني وقوانين تقييدية
رصد التقرير أيضًا هجمات متزايدة على منظمات المجتمع المدني والصحفيين، مشيرًا إلى أن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الصادر في أكتوبر 2021 أصبح أداة لتكميم الأصوات.
ورغم تعاون السلطات الليبية مع البعثة في بعض الملفات، حذّر التقرير من أن غياب المساءلة القضائية لا يزال عقبة مركزية أمام العدالة الانتقالية.
دعوة أممية لتمديد التفويض والسعي للمساءلة
دعت البعثة مجلس حقوق الإنسان إلى تمديد ولايتها لما بعد يونيو/حزيران المقبل، من أجل استكمال التحقيقات ودعم مؤسسات العدالة الليبية فنيًا وتقنيًا.
وأكد التقرير الختامي أن الطريق إلى الديمقراطية في ليبيا لن يمر إلا عبر المحاسبة، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا.
ومن المقرر أن يُعرض التقرير رسميًا أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 30 مارس، ضمن حوار تفاعلي مخصص لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا.







